تصريحات قداسة البابا حول المثلية الجنسية في ميزان الحقيقة

توطئة

كثرت الأقاويل وتشعبت الإتهامات والتبريرات حول ما نُسب إلى قداسة البابا فرانسس بخصوص المثليين الجنسيين. هنالك, للأسف الشديد, من تجاوز الحدود ليطعن جزافاً بشخص قداسته وأهليته للكرسي الرسولي الذي يتبعه أكثر من مليار من سكان العالم الذي يقترب تعداده نحو الثمان مليارات. وقد ذهب البعض أكثر من ذلك في إفراز سموم ضغينته على الكثلكة خصوصاً والمسيحية عموماً ليشكك بعصمة البابا وبنقاوة الكرسي الرسولي عبر التاريخ الكنسي, وفات هذا البعض أن الكنيسة الكاثوليكية كانت دوماً هي السباقة في كشف هفواتها وما اقترفته حفنة ضئيلة من قيادتها العليا والدنيا من شرور بحق البشرية والإنسانية, بالرغم من الكمّ الهائل من آبائها الأوّلين ولاهوتييها وفلاسفتها العظام ممن ساهم, على مر التاريخ الغابر والحاضر,  برفد الكرة الارضية  بمبادئ العدالة والمحبة وقوانين الحياة السوية , وما تمارسه الكنيسة اليوم وتقدمه لمخلوقات الكون من خدمات جليلة ونافعة على كل الأصعدة.

لا بدّ من التذكير أنه لولا الكرسي الرسولي في رقعة الفاتيكان لأصبحت المسيحية في الغرب وربما في عموم العالم في خبر كان,  وخاصة بعد أن فتح جهابذة العقيدة أبواب الشرق للغزاة من جهة, وسقوط المعقل الحصين بسبب التعنت الصبياني لقيادته الروحية من جهة أخرى.

ما يحصل حالياً من اختراق للمجتمعات الغربية نتيجة الهجرة العشوائية, ومن خروقات لقوانين الطبيعة الإنسانية المستقيمة بسبب التشبث بالحرية اللامحدودة, ليس إلا تحصيل حاصل لانحسار الإيمان المسيحي في تلك المجتمعات إضافة إلى ابتعادها عن الجذور التاريخية والدينية التي أرست ركائز الحضارة خلال الأزمنة المتلاحقة بعد بزوغ فجر البشارة. ألأمل أن ما يحصل حالياً ليس إلا كبوة مرحلية سيخمد أفُلها بعد حين؟

نبذة مقتضبة عن المثلية الجنسية تاريخياً

تذكر المصادر المتوفرة عبر الشبكة العنكبوتية بأن الشذوذ الجنسي كان معروفاً عند الإنسان منذ القدم سواء في عهد الفراعنة أو أبان عصر الإغريق أوالرومان. لقد كان للفيسوف اليوناني "إفلاطون" رأياً يتصف بالليونة في بادئ الأمر, وإعتبر ممارسته سلوكاً غير مقبول بعدئذ. أما الكتاب المقدس ففيه من الآيات الصريحة التي تؤكد اعتبار ممارسة الشذوذ الجنسي خطيئة وتدنيس لوصايا الخالق. من هذه الآيات: لاويين 18:22 و 20:13, رومة 1: 24-27, كورنثوس 6:9-10, تيموثاوس الاولى 8:1-10.  كما ان هنالك العديد من الآيات التي تؤكد على أن الزواج هو بين رجل وإمرأة, منها: تكوين 27:1-28, متى 4:19-6, أفسس 28:5-31.

ألإتجاه الجنسي

يتبادر الآن السؤال التالي: لماذا يسلك البعض سلوكاً شاذاً؟

ليست هنالك إجابة بسيطة على هذا السؤال. يعتقد الإختصاصيون في هذا المجال بأن هنالك عدة عوامل تشترك في تحديد الإتجاه الجنسي عند المرء, منها البايولوجية ( ألأحيائية), ألسايكولوجية ( ألنفسية), وعوامل المحيط. ويسود الإعتقاد أيضاً بأن للجينات أو الهورمونات تأثير في تحديد ذلك الإتجاه. وأيضاً يتفق معظم العلماء بأن الإتجاه الجنسي عموماً ليس بالشيء الذي يختاره الإنسان بمحض إرادته, وإنما هو جزء طبيعي من تكوينه.

وقد يسأل من يسأل عن المقصود بالتوجه الجنسي؟

هو مصطلح يُستخدم لوصف نمط الإنجذاب أو الميل  العاطفي أو الرومانسي أو الجنسي. قد يتضمن الميل إلى نفس الجنس, أو إلى جنس مغاير, أو إزدواجي الميول الجنسية أي إلى الجنسين معاً, أو إلى جميع الأجناس, أو يفتقد الميل الجنسي قطعاً. ويختلف الميل الاخيرعن الإمتناع عن الجنس أو العفة.

هنالك حقيقة علمية ربما يستغرب منها العديد من القراء الكرام, وهي أن في فترة المراهقة قد يتولد هنالك ميلٌ إلى نفس الجنس أو إلى الجنس الآخر. وأيضاً قد يدخل المرء في تجربة جنسية مع أحد الجنسين أو كليهما, إلا أن ذلك لا يعني كونه مستقيماً أو شاذاً. يتغير الإتجاه الجنسي مع الوقت, فقد ينجذب المرء إلى الجنس الآخر حينا, ثم بعد حين ينجذب إلى نفس الجنسً الذي من الممكن أن يتنامى عند البعض ويترسخ أكثر فيغدو مثلياً جنسياً.

ألموقف الكنسي عموماً

يصف القديس توما الإكويني 1225-1274 م  المثلية الجنسية بأنها أبشع الخطايا الجنسية, ويصنف الأفعال الجنسية المثلية كأعظم خطيئة بين أنواع الشهوة الاخرى لأنها تتعارض مع النظام الطبيعي للأشياء كما أمر بها الله.

أما التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية, فيسمي "الأفعال الجنسية المثلية" على أنها "غير أخلاقية في جوهرها وتتعارض مع القانون الطبيعي", وينص أيضاً على أن "الأشخاص المثليين مدعوون إلى العفة". ومع ذلك ، فإن العقيدة تحدد أيضًا أنه "يجب قبول هؤلاء الأشخاص باحترام وحساسية وينبغي تجنب كل علامة تدل على التمييز الظالم فيما يتعلق بهم.

بالرغم أن الكنيسة الكاثوليكية لا تعتبر "التوجه الجنسي المثلي" خاطئًا في حد ذاته ، إلا أن لديها موقفًا سلبيًا جدًا تجاهه. تنص رسالة عام 1986 على ما يلي: "على الرغم من أن ميل الشخص المثلي الخاص ليس خطيئة، إلا أنه اتجاه قوي إلى حد ما تجاه شر أخلاقي جوهري؛ وبالتالي يجب أن يُنظر إلى الميل نفسه على أنه اضطراب.

في عام 2003، كتب الكاردينال راتزينغر (ألبابا بندكتوس السادس عشر) وثيقة عن الاتحادات المدنية للمثليين جنسياً والتي أكدت بقوة أنه لا ينبغي الترويج لها في حالة عدم وجود تشريع في مكانٍ ما سواء خاص بها أو خاص بزواج المثليين.

يبقى تعليم الكنيسة واضحًا أن النوع الوحيد من الزواج والأسرة الشرعي هو الأحادي بين جنسين مختلفين والذي يعتمد في الواقع على القانون الطبيعي للبشر. هذا هو التعريف الوحيد للزواج المقبول في الكنيسة.

ما نُسب إلى قداسة البابا

تم عرض فلم وثائقي عن قداسة البابا فرانسس في مهرجان روما السينمائي والذي من خلاله ذُهل العالم المسيحي عموماً والكاثوليكي خصوصاً بما نسب إليه من آراء عن مثليي الجنس والتي تسربت إلى الإعلام يوم الاربعاء 21 تشرين الاول (أوكتوبر) 2020.

Homosexuals have a right to part of a family.

They’re children of God and have a right to a family. Nobody should be thrown out or be made miserable because of it.

What we have to create is a civil union law. That way they are legally covered. I stood up for that.

للمثليين جنسياً الحق في أن يكونوا جزءً من الأسرة.

إنهم أبناء الله ولهم الحق في الأسرة. لا ينبغي طرد أحدٍ أو جعله بائسا بسبب ذلك

ما علينا أن ننشئه هو قانون اتحاد مدني. بهذه الطريقة يتم تغطيتهم قانونيا. لقد دافعت عن ذلك

ومن الجدير بالذكر ان الترجمة الإنكليزية أعلاه هي عن أصل المقابلة الصحفية باللغة الإسبانية التي أُجريت مع قداسة البابا عام 2019 والتي لم تُنشر كاملاً إلى حد اليوم. ويظهر أنها إجابة مجزءة لأكثر من سؤال حول الموضوع, وقد تم ترتيبها على هذا النحو لغاية في قلب عرقوب أو يعقوب كما يُقال.

منطقياً وإنسانياً يتفق الجميع على الرأي الاول " للمثليين جنسياً الحق في أن يكونوا جزءً من الأسرة"

أما الرأي الثاني فيكتنفه الغموض في جملته " ولهم الحق في الاسرة". هل المقصود تكوين أسرة بالتبني؟ أم المقصود لهم الحق في أن يكونوا ضمن العائلة كما جاء في الرأي الاول؟ هذا ما يحتاج إلى توضيح لأن العائلة تعنى الإرتباط الرسمي (ألزواج) بين رجل وإمرأة مع تملّك أطفال بالولادة أو بالتبني, ولا يجوز كنسياً تكوين عائلة بين مثليي الجنس, وعلمياً يستحيل ذلك.

أما الرأي الثالث الذي يشير إلى تنشئة قانون إتحاد مدني فهو الاكثر إثارة للجدل. صحيح أن الإتحاد المدني يختلف بالتعبير اللغوي عن الزواج ولكن هل هنالك تباين في الحقوق والواجبات بين الخاضعين للإتحاد المدني والخاضعين للزواج؟  يمكن الإجابة حسب مفهوم الإتحاد المدني المتداول قانوناً الذي مفاده:

"ألإتحاد المدني هو ترتيب معترف به قانونًا مشابهًا للزواج ، تم إنشاؤه في المقام الأول كوسيلة لتوفير الاعتراف في القانون للأزواج من نفس الجنس. تمنح الإتحادات المدنية معظم أو كل حقوق الزواج باستثناء اللقب نفسه".

وجاء توضيح آخر لمفهوم الإتحاد المدني ما يلي:

"الاتحاد المدني هو الاعتراف القانوني بالشراكة الملتزمة والشبيهة بالزواج بين شخصين. عادةً ما يوفر التسجيل المدني للزوجين مزايا قانونية تقترب أو تعادل تلك الخاصة بالزواج، مثل حقوق الميراث وزيارة المستشفى واتخاذ القرارات الطبية والضرائب التفاضلية والتبني والتلقيح الاصطناعي ومزايا الموظفين للشركاء والمعالين".

بصراحة, يتضح من التعريفين أعلاه بأنه من الصعب هضم الفرق بين الإتحاد المدني والزواج, فكأنهما وجهان لعملة واحدة.

ربما استهدف قداسة البابا في اقتراحه ما وافق عليه في وطنه الام "الأرجنتين" عندما كان كاردينالاً هناك وذلك  بتشريع ما يسمى قانون"الإرتباط أو التعايش المدني" كبديل عن زواج المثليين, والذي لا يعني بحد ذاته ممارسة العلاقات الجنسية. ما يؤيد ذلك هو ذكر قداسته ذلك باللغة الإسبانية خلال المقابلة الصحفية والتي ترجمتها الصحيحة "الإرتباط أو التعايش المدني" وليس "الإتحاد المدني" كما جاء في الترجمة الإنكليزية.

لكن يظل السؤال الجوهري مهما اختلفت التسميات: من يضمن علاقة العفة بين المرتبطيْن أو المتعايشيْن معاً؟ ومن يضمن عدم ممارسة الجنس بينهما؟ حتماً ستحلّ الخطيئة بين الأربعة جدران حيث يجتمعا.  

من الضروري جداً أن يصدر توضيحٌ شافياً لهذ الرأي الذي نُسب إلى قداسته والذي يتعارض بظاهره جوهرياً مع التعليم الكنسي. هذه من ناحية, ومن ناحية أخرى لا بد من الإشارة أن البابا فرانسس أوضح هذا الرأي في مقابلة علمانية، وليس تعليمًا رسميًا لذا يجب احترامه والنظر فيه ولكن ليس له قوة ملزمة.

أما من الناحية الواقعية فإن العيش في ثقافة تروج لأشكال أخرى من الأسرة، هناك خلاف مشروع حول القانون الخاص بالإتحادات المدنية للعلاقات غير الزوجية. عندما تكون الخيارات هي الاتحادات المدنية أو "زواج المثليين"، يمكن للكاثوليك أن يجادلوا بأن الأمر يستحق بذل الجهود من أجل الإتحادات المدنية أو خوض معركة الكل أو لا شيء.

 

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 28-10-2020     عدد القراء :  152       عدد التعليقات : 0